في 6/08/2010 كتب : محمد عبدالناصر



تعاويذ ورُقى الأنظمة العربية في الصحف ووسائل الإعلام

حُنجوري .. مَنجوري .. شِنجوري










هذه الحفنة من البشر مفعمةً
 باستعارات رأس المال الفاحش،
فمعارضة الموقف الهزلي لأيٍّ من
الحكومات هي "مُزايدة" .. وشعبية
الحكومات العربية المنعدمة هي
"أسهم" صاعدة، وترى التشبيهات
الأكثر شيوعا في كتابات هذه الفئة
هي "استثمار" المواقف، "رصيد"
الثقة، "ادخار" الجهود، "المقايضة"
السياسية، إلى آخر ذلك من معجم
المنتفعين الغارقين في حياة المال،
والطبّالين الذين لا يشعرون بالجوع
القارص في بطون الشعوب، وكل
واحد منهم متضخم الكَرِش مُتدلي
الإليتين متداخل التضاريس في وجهه
ورقبته من فرطِ ما كذبَ على الناسِ
وقبض ثمن كَذِبِهِ باهظا من بؤسِ
الصامتين ودماء المعتقلين.
ولن تجد تعليقا متماسكا على أي
موقف جاد أو صامد سوى أن هذا
حُنجوري وذاك مُزايد، ولا شيء
أكثر من تلك التعاويذ الفارغة التي
حفظها المواطن العربي عن ظهر
قلب، فلم تعد تفلح في التأثير عليه ..
إن أكثر ما يفضح نفاق وكذب هؤلاء
 المنتفعين هو تطابقهم الكامل في
المواقف مع حكوماتهم في كل
صغيرة وكبيرة ودفاعهم المستميت
عنها، وليس هذا بأمر عاديٍّ أبدًا،
الرجل يختلف مع زوجته وهم لا
يختلفون مع حكوماتهم، الإنسان يلوم
نفسه أحيانا وهم لا يحيدون عن تدبيج
قصائد المديح المكسورة في سادتهم
وكبرائهم، بنفس الثبات وبنفس
الأسماء والمصطلحات .. ربما يحتاج
معجم خُدام الأنظمة إلى بعض
الترميم وقليل من المفردات الجديدة،
لكي يؤثر على الناس ويجذبهم،
وليستبدل ب"مزايد" مُناقص مثلا،
 وب"حنجوري" .. مَنجوري أو
شِنجوري، وكله كلام !!
الجديدة فكرت في أن تستثمر لمعان  
هذه الأسماء في مزيد من الخداع
للمواطنين، أو لأن البيروقراطية
العربية لا تحب أن تتوقف كثيرا عند
هذه الشكليات.
جرائم الوعي التي يُمكن أن ترتكب
في ذهنية القارئ العربي كلها بلا
استثناء اقترفتها هذه المطبوعات
المزيفة في أسمائها وفي مضامينها،
تجد مثلا عنوانا مثيرا لموضوع ما
يُشوه الخصوم المعروفين لأي نظام
_____________
         
بقلم :
   محمد عبدالناصر
 
_____________
عربي معتدل مسالم وديع وهم إيران
وحماس وحزب الله والحكومة
التركية وحركات التحرر والمقاومة
أينما كانت، وفي الداخل نص يدعي
الحصول على معلومات خطيرة تؤكد
اقتراب انهيار حركة حماس، أو
تسرد تفاصيل المقابلة السرية
الشخصية التي أجراها أحمدي نجاد
مع المبعوث المفوض من الشيطان،
أو التفاصيل السرية الكاملة للعملية
اللولبية لتحويل أرصدة حسن نصر
الله من سويسرا إلى كوكب زحل ..
وأشياء من هذه الشاكلة كثيرة، لادليل
ولا معلومة واحدة تؤكد للقارئ
صدقية حرف واحد من هذه
النصوص مجهولة النسب والمصدر،
وبينما أنت تقلب في صفحات
الإعلانات المتكدسة للدعاية للحيتان
المعدودين وعجائب المخلوقات
لتفتش عن مقالة محترمة، أو تنقِّب
عن تقرير موضوعي، تكتشف أن
الأرصدة السرية إنما هي لرئيس
التحرير ! وتجد اللغة التي تستخدمها

  
لا شيء أدعي لإصابة المواطن 
العربي بالسكتة الفكرية أو الذبحة
المعرفية من مطالعة الإعلام العربي
الرسمي، فالتزييف الواضح للحقائق
وقراءة الأحداث بأكثر العدسات
انبعاجا واعوجاجا والسُّخرية من
رموز المواطنين العرب ومعتقداتهم
والتجاهل المتعمد للأحداث التي لا
تصب في دعم أيديولوجيات الأنظمة
إضافةً إلى التزوير الحِرَفي بالعبث
في الصور الفوتوغرافية وإعادة
صياغة بيانات وكالات الأنباء
وتحريف الترجمة .. كل هذا ليس
هو غاية ما يُمكن أن يحدث لخداع
المواطن العربي وفق هوى الحُكام
وحاملي المزامير والطبول من
حولهم، فقد تحول جُل هذه الوسائل
إلى أبواقٍ مُسلطة لا هَمَّ لها ليلا أو
نهارا سوى أن تُعيد على الأسماع
بعض العبارات والاستعارات
والقوالب المصنعة خصيصا لمنطقة
الشرق الأوسط، حتى صارت
كالرُّقى والتعاويذ التي يتمتم بها
المشعوذون والسَّحَرة لإثارة زوبعةٍ
خادعة تُغطي على حِيَلِهم المسبوكة
ومكائدهم الزئبقية .. ولا يُفلح الساحر
حيثُ أتى.
في مصر مثلا تُسمى الصحف التابعة
للحكومة بالصحافة القومية، وهي
تسمية لا يخفى على طفل في
الروضة مهتم بالتاريخ السياسي
المعاصر أنها تنتمي إلى حقبة الحلم
القومي حيث فرضت الأجندات وقتها
أن يكون كشك السجائر تعاونيا وعاما
وشعبيا، وميكانيكي السيارات قوميا،
وأن يتحول سوق الخضار إلى
المؤسسة الاشتراكية لبيع الخضروات
والفواكه !، وانتهى هذا الزمن بحلوه
ومره، وتبدلت أجندات الحكومات
تبدل الصبح بالمساء، ورغم هذا فإن
الأسماء لم تتغير، إما لأن الأنظمة

3 تعليقات

.
gravatar
محمد عبد الرحمن كتب ..

مقال أكثر من رائع !

اتـرُك ردًّا ..